دور ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي في سقوط الدولة العباسية
التحالف الشيعي الفارسي - المغولي و إسقاط الخلافة الإسلامية ببغداد
من
المعروف أن
من أهم أسباب انهيار الحضارة الإسلامية و انتقالها للغرب هو سقوط دار
العلم بغداد
بيد المنغول. هذا السقوط لم يكن ممكناً لولا مساعدة الشيعة
للمنغول.
و لا يخفى على من له أدنى وعي تاريخي بالشيعة دور الوزير ابن العلقمي الخياني في سقوط بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية آنذاك ، وما جره على المسلمين من القتل والخراب والذل والهوان بالاتصال بهولاكو وإغرائه بغزو العراق وهيأ له من الأمور ما يمكنه من السيطرة والاستيلاء .
وقد سلك ابن العلقمي في التخطيط لذلك الأمر بأن أشار على الخليقة المستعصم بتسريح أكبر عدد ممكن لتخفيف الأعباء المالية على الميزانية العامة فوافقه الخليفة على ذلك ولم يكن يعلم الخليفة بأن اقتراح الوزير ما هو إلى إضعاف جيش الخلافة في مواجهة الغزاة التتار حتى أن الجنود تدهورت حالتهم الاجتماعية والمالية مما اضطرهم إلى الاستخدام في حمل القاذورات.
ولكي نلم ببعض جوانب تلك الخيانة العلقمية نورد بعض أقوال المؤرخين في بيان حقيقة ابن العلقمي وما قام به من المساهمة في سقوط الخلافة الإسلامية:
يقول : جلال
الدين السيوطي:
إن ابن
العلقمي كاتب التتر وأطمعهم في ملك بغداد
يقول : أبو شامة
شهاب الدين بن عبد الرحمن بن إسماعيل:
إن التتار
استولوا على بغداد بمكيدة دبرت مع وزير الخليفة
يقول : قطب الدين
اليونيني البعلبكي
وكاتب الوزير
ابن العلقمي التتر وأطمعهم في البلاد ، وأرسل إليهم غلامه وسهل عليهم ملك العراق ،
وطلب منهم أن يكون نائبهم في البلاد ، فوعدوه بذلك ، وأخذوا في التجهيز لقصد العراق
، وكاتبوا بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل في أن يسير إليهم ما يطلبونه من آلات الحرب ،
فسير إليهم ذلك ولما تحقق قصدهم علم أنهم إن ملكوا العراق لا يبقون عليه فكاتب
الخليفة سراً في التحذير منهم ، وأنه يعد لحربهم فكان الوزير لا يوصل رسله إلى
الخليفة ومن وصل إليه الخليفة منهم بغير علم الوزير اطلع الخليفة وزيره على أمره ..
ويتابع البعلبكي في وصف جيوش التتار الزاحفة عل ى بغداد وبعد أن تمكنوا هزيمة الحامية الهزيلة في صد الغزو فيقول ؛ فحينئذ أشار بن العلقمي الوزير على الخليفة بمصانعة ملك التتر ومصالحته وسأله أن يخرج إليه في تقرير زواج ابنته من ابنك الأمير أبي بكر ويبقيك في منصب الخلافة كما أبقى سلطان الروم في سلطنة الروم لا يؤثر إلا أن تكون الطاعة له كما كان أجدادك مع السلاطين السلجوقية، وينصرف بعساكره عنك فتجيبه إلى هذا فإنه فيه حقن دماء المسلمين ، ويمكن بعد ذلك أن يفعل ما تريد فحسن له الخروج إليه فخرج في جمع من أكابر أصحابه فأنزل في خيمة ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا عقد النكاح فيما أظهره فخرجوا فقتلوا وكذلك صار يخرج طائفة بعد طائفة
يقول : شمس الدين
الذهبي
وأما بغداد
فضعف دست الخلافة وقطعوا أخبار الجند الذين استنجدهم المستنصر وانقطع ركب العراق،
كل ذلك من عمل الوزير ابن العلقمي الرافضي جهد في أن يزيل دولة بني العباس ويقيم
علويا وأخذ يكاتب التتار ويراسلونه والخليفة غافل لا يطلع على الأمور ولا له حرص
على المصلين
يقول : ابن شاكر
الكتبي
وأخذ يكاتب
التتار إلى أن جرأ هولاكو وجره على أخذ بغداد
يقول : عبد
الوهاب ابن تقي الدين السبكي
وكان شيعيا
رافضياً في قلبه غل للإسلام وأهله وحبب إلى الخليفة جمع المال والتقليل من العساكر
فصار الجند يطلبون من يستخدمهم في حمل القاذورات ومنهم من يكاري على فرسه ليصلوا
إلى ما يتقوتون به
ثم يصف لنا السبكي مؤامرة ابن العلقمي في قتل الخليقة والعلماء والفقهاء واستباحة بغداد وإراقة الخمور في بيوت الله تعالى
فيقول:
وقصد هولاكو بغداد من جهة البر الشرقي ثم إنه ضرب سوار على عسكرة وأحاط ببغداد
فأشار الوزير على الخليفة بمصانعتهم وقال؛ أخرج أنا إليهم في تقرير الصلح، فخرج
وتوثق لنفسه من التتار ورجع إلى المعتصم وقال؛ إن السلطان يا مولانا أمير المؤمنين
قد رغب في أن يزوج بنته بابنك الأمير أبي بكر ويبقيك في منصب الخلافة كما أبقى صاحب
الروم في سلطنته ولا يؤثر إلا أن تكون الطاعة له كما كان أجدادك مع السلاطين
السلجوقية ، ونصرف عنك بجيوشه فمولانا أمير المؤمنين يفعل هذا فان فيه حقن دماء
المسلمين وبعد ذلك يمكننا أن نفعل ما نريد والرأي أن تخرج إليه . فخرج أمير
المؤمنين بنفسه في طوائف من الأعيان إلى باب الطاغية هولاكو ولا حول ولا قوة إلى
بالله العلي العظيم.
فأنزل الخليفة في خيمة ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا العقد فخرجوا من بغداد فضربت أعناقهم وصار كذلك يخرج طائفة بعد طائفة فتضرب أعناقهم ثم طلب حاشية الخليفة فضرب أعناق الجميع ثم طلب أولاده فضرب أعناقهم، و أما الخليفة فقيل أنه طلبه ليلا وسأله عن أشياء ثم أمر به ليقتل. فقيل لهولاكو: إن هذا إن أريق دمه تظلم الدنيا و يكون سبب خراب ديارك فإنه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفة الله في أرضه فقام الشيطان المبين الحكم نصير الدين الطوسي وقال يقتل ولا يراق دمه وكان النصير من أشد الناس على المسلمين، فقيل إن الخليفة غم في بساط و قيل رفسوه حتى مات.
و لما جاءوا ليقتلوه صاح صيحة عظيمة، و قتلوا أمرائه عن أخرهم، ثم مدوا الجسر وبذلوا السيف ببغداد و استمر القتل ببغداد بضعاً وثلاثين يوماً و لم ينجوا إلى من اختفى و قيل إن هولاكو أمر بعد ذلك بعدّ القتلى فكانوا ألف ألف وثمانمائة ألف النصف من ذلك تسعمائة ألف غير من لم يعد و من غرق ثم نودي بعد ذلك بالأمان فخرج من كان مختبئ وقد مات الكثير منهم تحت الأرض بأنواع من البلايا والذين خرجوا ذاقوا أنواع الهوان والذل ثم حفرت الدور وأخذت الدفائن والأموال التي لا تعد ولا تحصى وكانوا يدخلون الدار فيجدون الخبيئة فيها وصاحب الدار يحلف أن له السنين العديدة فيها ما علم أن بها خبيئة، ثم طلبت النصارى أن يقع الجهر بشرب الخمر و أكل لحم الخنزير و أن يفعل معهم السلمون ذلك في شهر رمضان، فألزم المسلمون بالفطر في رمضان و أكل الخنزير و شرب الخمر، و دخل هولاكو إلى دار الخليفة راكباً لعنه الله و استمر على فرسه إلى أن جاء سدة الخليفة و هي التي تتضاءل عندها الأسود و يتناوله سعد السعود كالمستهزئ بها و انتهك الحرم من بيت و غيره، و أعطى دار الخليفة لشخص من النصارى و أريقت الخمور في المساجد و الجوامع و منع المسلمون من الإعلان بالأذان فلا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، هذه بغداد لم تكن دار كفر قط و جرى عليها هذا الذي لم يقع قط من منذ قامت الدنيا مثله، و قتل الخليفة و إن كان وقع في الدنيا أعظم منه إلا أنه أضيف له هوان الدين و البلاء الذي لم يختص بل عم سائر المسلمين.
يقول : حسن
الديار بكري ؛
ابن العلقمي
الرافضي كان قد كتب إلى هولاكو ملك التتار في الدست أنك تحضر إلى بغداد وأنا أسلمها
لك . و كان قد داخل قلب اللعين الكفر، فكتب هولاكو : إن عساكر بغداد كثيرة فإن كنت
صادقا فيما قلته ، و داخلا في طاعتنا ، فرّق عساكر بغداد ، و نحن نحضر ، فلما وصل
كتابه إلى الوزير ، و دخل إلى المستعصم و قال ؛ إنك تعطي دستورا لخمسة عشر ألف من
عسكرك وتوفر معلومهم. فأجاب المستعصم لذلك ، فخرج الوزير لوقته ومحا اسم من ذكر في
الديوان ثم نفاهم من بغداد ومنعهم من الإقامة بها ثم بعد شهر فعل مثل فعلته الأولى
ومحا اسم عشرين ألفا من الديوان ، ثم كتب إلى هولاكو بما فعل و كان قصد الوزير
بمجيء هولاكو أشياء منها :
أنه كان رافضيا خبيثا وأراد أن ينقل الخلافة من بني العباس إلى العلويين فلم يتم له ذلك من عظم شوكت بني العباس وعساكرهم ففكر أن هولاكو قد يقتل المستعصم وأتباعه ثم يعود لحال سبيله وقد زالت شوكت بني العباس وقد بقي هو على ما كان عليه من العظمة والعساكر وتدبير المملكة فيقوم عند ذلك بدعوة العلويين الرافضة من غير ممانع لضعف العساكر و لقوته ثم يضع السيف في أهل السنة فهذا كان قصده لعنه الله.
و لما بلغ هولاكو ما فعل الوزير ببغداد ركب وقصدها إلى أن نزل عليها وصار المستعصم يستدعي العساكر ويتجهز لحرب هولاكو وقد اجتمع أهل بغداد وتحالفوا على قتال هولاكو وخرجوا إلي ظاهر بغداد ومضي عليهم بعساكره فقاتلوا قتالا شديدا، وصبر كل من الطائفتين صبرا عظيما ، وكثرت الجراحات والقتلى في الفريقين إلى أن نصر الله تعالى عساكر بغداد وانكسر هولاكو أقبح كسرة وساق المسلمون خلقهم وأسروا منهم جماعة وعادوا بالأسرة ورؤوس القتلى إلى ظاهر بغداد ونزلوا بخيمهم مطمئنين بهروب العدو ، فأرسل الوزير ابن العلقمي في تلك الليلة جماعة من أصحابه فقطعوا شط دجلة فخرج مائها على عساكر بغداد وهم نائمون فغرقت مواشيهم وخيامهم وأموالهم وصار السعيد منهم من لقي فرسا يركبها، وكان الوزير قد أرسل إلى هولاكو يعرفه بما فعل ويأمره بالرجوع إلى بغداد فرجعت عساكره إلى بغداد وبذلوا فيها السيف.
ويقول الأستاذ
حسن السوداني- معاصر:
لقد اتفق ابن
العلقمي والطوسي مع ملة الكفر ضد الخلافة الإسلامية بحجة الدفاع عن أنصار الإمام
علي رضي الله عنه وشيعته . ومعرف أن الطوسي يسمى أستاذ البشر والعقل الحادي عشر ، و
سلطان المحققين وأستاذ الحكماء والمتكلمين و أصله من طوس وهي من توابع مدينة قم ، و
يعتبر الطوسي فخر الحكماء ومؤيد الفضلاء ونصير الملة ، ولا ندري هل كان هولاكو من
هؤلاء الفضلاء الذين أيدهم الطوسي ؟ وهل كان المغول هي الملة التي نصرها الطوسي على
المسلمين فهتكت الأعراض وخربت مركز الحضارة الإسلامية ؟ لقد كان الطوسي وابن
العلقمي من حاشية هولاكو وهو يخرب ضريح الإمام موسى الكاظم فلم يبد منهما ما ينم عن
اعتراض!
تجمع المصادر التي وصفت الساعات الأخيرة من حياة الخلافة العباسية الإسلامية على أن هولاكو قد استشار أحد المنجمين قبل أن يبدأ غزوته و كان المنجم الفلكي حسام الدين مسلما غيورا على المسلمين و حياتهم فقرأ له ما يلي: إن كل من تجاسر على التصدي للخلافة و الزحف بالجيش إلى بغداد لم يبق له العرش و لا الحياة ، و إذا أبى الملك أن يستمع إلى نصحه و تمسك برأيه فسينتج عنه ست مهالك: تموت الخيل ، و يمرض الجند ، لن تطلع الشمس و لم ينزل المطر ثم يموت الخان الأعظم.
لكن مستشاري هولاكو قالوا بغزو بغداد وعدم الاستماع لرأي المنجم ، فاستدعى هولاكو العلامة نصير الدين الطوسي الذي نفا ما قاله حسام الدين و طمأن هولاكو بأنه لا توجد موانع شرعية تحول دون إقدامه على الغزو و لم يقف الطوسي عند هذا الحد بل أصدر فتوى يؤيد فيها وجهة نظره بالأدلة العقلية و النقلية وأعطى أمثلة على أن كثيرا من أصحاب الرسول قتلوا ولم تقع الكارثة، و غزا هولاكو بغداد بفتوى الطوسي وبمعلومات ابن العلقمي وهما وزيراه الفارسيان ، و لم يستسلم المستعصم فقد أشار عليه البعض بأن ينزل بالسفينة إلى البصرة ويقيم في إحدى الجزر حتى تسنح الفرصة ويأتيه نصر الله لكن وزيره ابن العلقمي خدعه بأن الأمور ستسير على ما يرام لو التقى بهولاكو.
فخرج المستعصم ومعه 1200 شخصية من قضاة ووجهاء وعلماء فقتلهم هولاكو مرة واحدة، و وضع المستعصم في صرة من القماش و داسته سنابك الخيل وكان قتلى بغداد كما تقول المصادر المعتدلة 800 ألف مسلم ومسلمة كانوا هم ضحايا ابن العلقمي و الطوسي و الأخير كان قد أصدر فتوى بجواز قتل المستعصم حين تردد هولاكو عن قتله ،،،فافهمه الطوسي أن من هو خير منه قد قتل و لم تمطر الدنيا دماً، و قد استبيحت بغداد في اليوم العاشر من شباط عام 1258 و لم يكن ذلك اليوم آخر نكبة حلت بالأمة على يد الوزراء الفرس و لابسي العمامة الفارسية المجوسية.
و الشيعه في جميع ادوار التاريخ يتملقون للحكام المسلمين اذا كانت الدوله قويه ، اما اذا ضعفت او هوجمت من عدو انحازوا الى صفوفه وانقلبوا عليها. كما حصل في أواخر الدولة الأموية ، حيث كانت ثوره العباسيين عليهم بتسويل الشيعه و تحريضهم و دسائسهم ، ثم كانوا في مثل هذا الموقف الاجرامي مع دولة بني العباس ايضاً عندما كانت مهدده باجتياح هولاكو والمغول الوثنيين لخلافة الاسلام و عاصمة عزه ومركز حضارته وعلومه ، فبعد ان كان النصير الطوسي حكيم الشيعه ينظم الشعر في التزلف للخليفه العباسي المعتصم ، مالبث ان انقلب عليه سنة 655 محرضا عليه ومتعجلا نكبة الاسلام في بغداد وجاء في طليعة موكب السفاح هولاكو واشرف معه على اباحة الذبح العام في رقاب المسلمين والمسلمات اطفالا وشيوخا ، ورضي بتغريق كتب العلم الاسلامي في دجله حيث ذهب نفائس التراث الاسلامي ، وقد اشترك معه في ارتكاب هذه الخيانة العظمى زميلان له احدها : وزير شيعي وهو محمد بن احمد العلقمي ، والاخر : مؤلف معتزلي اكثر تشيعاً من الشيعه وهو عبد الحميد بن ابي الحديد ، اليد اليمنى لابن العلقمي، وقد عاش عدوا لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما شحن به شرحه الخبيث لكتاب ( نهج البلاغه ) من الاكاذيب التي شوهت تاريخ الاسلام ولا يزال ينخدع بها من يجهلون حقائق ماضي الاسلام ودخائله.
فالمصادر التي مرت عليك أخي القارئ أجمعت على أن ابن العلقمي كان الساعد الأيمن لهولاكو في غزو بغداد واستباحة الأموال والأنفس وقد ساعد هولاكو في قتل الخليفة عندما أحجم عن قتله نصير الدين الطوسي بإصدار فتوى بجواز ذلك.
و مع ذلك يقول
حاخام إيران
الأكبر الخميني:
و يشعر الناس بالخسارة بفقدان الخواجة نصير الدين الطوسي و أضرابه ممن قدموا خدمات
جليلة للإسلام و نحن نسأل نائب الخرافة المنتظر ما هي الخدمات التي قدمها للإسلام و
المسلمين غير القتل و الإرهاب؟ و أما إذا كان يقصد خدماته التي قدمها للطاغية
التتري هولاكو و أنه يمثل الإسلام، فهذا يكون له وجه آخر عند من يكون همهم معاونة
الكفار على أهل السنة.
و لا يزال الشيعه الى هذه العصور المتأخره تتلذذ بالشماته و تتمتع بالعداوه للاسلام بما حل به في نكبة هولاكو. و كتاب ( روضات الجنات ) للخونساري مليء بمدح السفاحين والخونه ، و الشماته بما وقع يومئذ للاسلام ، و التشفي من ضحايا تلك النكبة من خاصه و عامه و السرور بما جرى من الذبح العام للمسلمين.
*************
جرائم القرامطة وخلع الحجر الأسود من الكعبة ونقله للقطيف
القرامطة وفتنتهم في مكّة
تُعدُّ فرقة «القرامطة» ـ التي وصفها التأريخ بأنّها فرقة مشاغبة ومُتمرّدة، وكانت عاملا أساسيّاً أدّى إلى مذابح جماعية، وإلى حملات إغارة على أموال المسلمين ـ فرعاً من الفرقة المعروفة بـ «الإسماعيلية» حيث ظهرت في قلب المجتمع الإسلامي، وسبّبت الكثير من المتاعب والمشاكل آنذاك بسبب أفكارها وعقائدها الخاصّة، خصوصاً في العهد العبّاسي، ممّا أدّى إلى وقوع العديد من الضحايا نتيجة انحرافاتهم الايديولوجية والمغالاة في أفكارهم. ويمكننا القول بوجود التشابه الكبير بينها وبين فرقة الخوارج المعروفة التي ظهرت في عهد الخلفاء الأمويين وإن اختلفتا من الناحية العقائدية.
و«الإسماعيلية» هي فرقة من فرق الشيعة كانت تعتقد بإمامة «إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام)» وذلك بعد وفاة جعفر الصادق (عليه السلام)، وأولاد إسماعيل من بعده ثمّ انقسمت على نفسها إلى عدّة فِرَق أُخرى. وقد انبرى من الفرقة ذاتها شخصيّات فسَّر كلٌّ منهم المذهب الإسماعيلي حسب ما يَرتئيه هو ودعا إلى إمامة شخصيّة معيّنة في ذلك الزّمان.
وكان «حمدان قرمط» أحد أبرز أولئك الدعاة من الإسماعيلية، والسّبب المباشر في ظهور العديد من الحوادث في حينها، فأوجد هذا فرقة مُنشعبة عن الإسماعيلية وذلك بعد وفاة أبوالخطّاب الأجدع أحد مؤسّسي فرقة الإسماعيلية، وأدخل «حمدان قرمط» تعديلات وآراء جديدة على المذهب المذكور فسمّي أتباعه بعد ذلك بالقرامطة.
وتذكر المصادر لروايات أهل السنّة ـ وعلى غرارها المصادر الغربية كذلك ـ أنّ حمدان قرمط كان أحد تلاميذ عبدالله بن
ميمون القدّاح، الذي له تأثيرٌ واضح على تشكيل آراء ومعتقدات حمدان قرمط، وتعتبر المصادر ذاتها أنَّ عبدالله بن ميمون هذا هو أحد موالي الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وينسبونه إلى اليهوديّة1 أحياناً والدّيصانية2 والمجوسية من أصل إيراني3 أحياناً أُخرى. كما وينسبون الفاطميين «في مصر» إلى حمدان قرمط هذا4.
هذا في حين توثّق المصادر الشيعيّة عبدالله بن ميمون، وتُسقط كل الاحتمالات ـ كما سنرى ـ التي تقول بكونه ينتمي إلى القرامطة أو الإسماعيلية.
وقبل إيراد أيّ نصوص عن علماء ورجالات الشيعة حول عبدالله بن ميمون، نستدعي انتباه الأخوة القُرّاء إلى آراء بعض من الكتّاب المعروفين حول نفس الموضوع.
ينقل ابن النديم عن شخص يدعى ابوعبدالله بن رزام حيث كان لهذا الأخير كتاب في الردّ على الإسماعيلية ما يلي (دون أن يؤيّد أو يُفنّد ادّعاءات ابن رزّام هذا):
في البداية، كان ميمون قدّاح من أتباع أبوالخطّاب، وكان يجهر بالدعوة إلى إلوهية علي بن أبي طالب، وقد كان وأبنه عبدالله، ديصاني المذهب، ومن محلة على أطراف الأهواز، وكان ابنه عبدالله مشعوذاً وساحراً وقد ادّعى النبوّة لفترة طويلة،... وفرّ إلى السلميّة بالقرب من حمص وهناك انضمّ إلى دعوته رجل يسمّى حمدان بن الأشعث الملقّب بـ (قرمط)5.
بعد ذكر قصّة تشتّت أصحاب محمد بن إسماعيل بن جعفر، يتابع الخواجة رشيد الدين القول بأنّ (عبدالله بن ميمون القدّاح كان قد اكتسى حُلّة العابد الزاهد، وقد أقام في منطقة عسكر مكرّم، ومنها رحل إلى كوهستان عجم أهواز حيث قام بدعوة النّاس وإرسال الرسل إلى العراق والري وإصفهان وقم وهمدان)6.
يقول الفخر الرازي في تعريف فرقة الباطنية مايلي:
(يروى أنّ رجلا من الأهواز يدعى عبدالله بن ميمون القدّاح وكان من الزنادقة، جاء إلى جعفر الصادق (عليه السلام)، وقد قضى أكثر وقته في خدمة ابنه إسماعيل وبعد وفاة إسماعيل أصبح في خدمة ابنه محمّد، ودعا إلى اتّباع هذا الأخير مدعيّاً بتلقّي الزندقة على يده)7. كما يلاحظ، فإنّ عبدالله بن ميمون هذا يعرّف على أنّه مؤسّس فرقة الباطنيّة والقرامطة وعلى أنّه رجل دجّال وكذّاب، في حين هو في المصادر الشيعية أحد أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) والإمام الصادق (عليه السلام)المخلصين، وبأنّه أحد رواة الأحاديث الثقات.
يقول النجاشي في (الرجال):
كان عبدالله بن ميمون الأسود القداح أحد موالي بني مخزوم... وكان يروي عن الإمام الصادق (عليه السلام) وهو رجل ثقة، وتنسب إليه كتب مثل مبعث النبي وصفة الجنّة والنّار8.
وحسب قول النجاشي وهو أحد علماء الرجال المعروفين، بأنّ عبدالله بن ميمون ثقة، لايبقى مجال للشك في منزلة ابن ميمون الجليلة، خاصّة بعد عِلمنا أنَّ كلّ كتب رجالاتنا لم تورد قدحاً في تعريفها لعبدالله بن ميمون، ولو كان إسماعيلياً كما قيل، لما تردّد علماء الرجال في ذكر ذلك على الإطلاق، ذلك أنّ علماءنا في الرجال يمتلكون حساسية عجيبة تجاه الأشخاص المنتمين إلى مذهب منحرف. ويقول الكشي بعد نقله حديثاً للإمام الباقر (عليه السلام) في معرض تأييده لعبدالله بن ميمون: كان عبدالله بن ميمون يقول بالتزيّد (كذا)9.
ولايعرف المقصود بكلمة «تزيّد» بوضوح، فربّما أراد معنى أنّه كان «يحبّ زيداً» في حين ذكر البعض احتمالات وتفسيرات غير منطقية لذلك ولا علاقة لها به10. أضف إلى ما قيل أنّ كل كتب الشيعة في شرح الملل والنحل أمثال فرق الشيعة للنوبختي والمقالات والفرق للأشعري، وخلال وصفهم للفرق الإسلامية كالإسماعيلية والقرامطة، لم يذكروا شيئاً بصدد ابن ميمون أو حتّى ثابت بن سنان وهو أحد المعاصرين لحمدان قرمط، الذي ألّف كتاباًتحت عنوان «تأريخ أخبار القرامطة» فهو لم يذكر اسم عبدالله بن ميمون البتة.
وعلى أي حال وطبقاً للمصادر الشيعية فليست هناك أدنى علاقة بين عبدالله بن ميمون وبين القرامطة. فالشيء المسلَّم به هو أنَّ مؤسّس فرقة القرامطة وهي فرقة متفرعة عن الإسماعيلية، هو رجل يسمّى حمدان بن الأشعث القرمطي الذي اعتزل جماعة محمّد بن إسماعيل بن جعفر بعد وفاة الأخير وأحدث فرقة متشعبة عن الإسماعيلية بعد أن أوجد آراء ومعتقدات خاصّة لهذه الفرقة. وطبقاً لما أورده ابن النديم فإن حمدان قرمط كان مشغولا بالزراعة وتربية الحيوان في قرية تسمى «قس بهرام» وكان رجلا ذكيّاً، ممّا حدا برجل عالم مثل «عبدان»، الذي صنّف كثيراً من الكتب باتّباعه وأرسل رسلا ومبلّغين إلى سواد الكوفة لنشر معتقدهم هذا11.
كلمة القرامطة
علمنا فيما سبق أنّ كلمة القرامطة مأخوذة من لقب مؤسّسها حمدان قرمط، ونريد الآن فهم معنى هذه الكلمة أكثر وما تعنيه من مضامين، والسبب الذي من أجله نُسبت هذه الكلمة إلى حمدان. لقد وردت احتمالات كثيرة بهذا الصدد، نذكر أهمّها فيما يلي:
ـ يقول ابن النديم أنّ السبب في إطلاق كلمة «قرمط» على حمدان هو أنّه كان قصير القامة12.
ـ ويقول البغدادي: كان يقارب ما بين خطوه في السير أو أنّه كان يضع فواصل قليلة بين السطور في كتاباته13.
ـ ويقول ابن منظور دونما اشارة إلى وجه تسمية القرامطة بهذا الاسم: القرمطة هي المقاربة ما بين القدمين وكذلك بين السطور في الكتابة والدقّة في ذلك14.
ـ ويقول الجرجاني: قرمط هي إحدى قرى واسط15، في حين يُسمّي ابن خلف الأشعري لقب حمدان بـ «قرمطويه»16.
ـ وينقل الدكتور مشكور عن الطبري وثابت بن سنان قوله أنّ هذه الكلمة أي قرمط، بمعنى كرميتي وتعني حُمرة العين، وينقل عن ابن الجوزي قوله أنَّ كرميتي تعني حدة البصر وقوته، ثمَّ يُضيف: ويظهر أن هذه الكلمة مأخوذة عن اللهجة الآرامية المحلية لمدينة واسط واستعيرت منها لهذا المعنى والتي لايزال معناها مُدَلِّس (من دالس مدالسة). يقول كارل نولدرس: لكلمة «قرمط» علاقة وثيقة بالأصل اليوناني «قرماطا» وتعني الحَرف. وكذا كلمة «قرمط» التي تُطلق على الخط الخاص بالنّسخ، وقد كُتبت بالألفباء السرّية القرمطية متون كثيرة ذكرت في اليمن17.
ـ وينقل لويس ماسينيون الذي كتب عدّة تحقيقات بخصوص القرامطة، ينقل عن «ولرز» انّه يسوّي بين كلمة القرامطة وكلمة يونانيّة مشابهة لها تماماً، إلاّ أنّه يُحتمل أن تكون هذه الكلمة مشتقة عن اللغة المحليّة الآرامية لمدينة واسط، أي بمعنى «مُدَلِّس». ويُطلق المصطلح «قرمط» في علم الخطوط على الخط الكتابي الذي كان يدعى بالنّسخ. وقد عثر گريفين أخيراً على خطوط قرمطية في متون وجدها بالخطّ السرّي في اليمن18.
ـ ينقل بطروشفسكي بعد إيراده لأقوال ماسينيون، في حاشية لكتابه عن لسان «ايفانوف» قائلا: إنَّ كلمة «قرمط» مأخوذة عن كلمة «قرميثة» وتعني الفلاح أو الريفيّ في اللهجة السريانية في المناطق السفلى لما بين النهرين، أي اللغة الآرامية نفسها19.
فلو تصوّرنا أن لقب «قرمط» قد أطلق على مؤسّس فرقة القرامطة من قبل مخالفيهم ومناوئيهم، فإن أنسب معنى لذلك هو التدليس والمدلِّس بعد عِلمنا بأنّ أولئك المخالفين قد اطلقوا على عبدالله بن ميمون ـ بغضّ النظر عن صدق انتسابه إلى القرامطة ـ لقب المشعبذ والحيّال. وأمّا في حال تصوّرنا أن هذا اللقب إنّما أُطلق على حمدان قرمط من قبل مريديه ومناصريه فالمعنى الأصح لهذه الكلمة هو «الفلاح»، ذلك أن ابن النديم وكما أوضحنا سابقاً قد ذكر أن حمدان كان يشتغل بالزراعة وتربية الحيوان، مع بقاء الاحتمالات الأخرى لمعنى هذه الكلمة من أنّه كان أحمر العينين أو أنّه كان قريب الخطو في مشيه أو أنّه كان يكتب بخطّ ناعم، علماً بأنَّ هذه الأمور ثانوية وليست ذات أهميّة يُعوَّل عليها.
معتقدات القرامطة
تُعدُّ الأصول والمعتقدات الأولية للقرامطة نفسها التي تعتقد بها الإسماعيلية، إلاّ أنَّ هذه الفرقة المتشعّبة عن الإسماعيلية تملك بعض العقائد الخاصّة بها، التي تميّزها عن باقي الفرق والجماعات المنتمية بدورها إلى الإسماعيلية; ولأنَّ تلك العقائد هي كلّ ما ذكرته كتب المناوئين لهذه الفرقة فلايمكن إزاء ذلك الاعتماد على صحّتها ودِقّة انتسابها إلى القرامطة.
وطبقاً لمؤلّفات النوبختي وأبي خلف الأشعري، فإنّ القرامطة يقولون بإمامة محمّد بن إسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام) ويُعرّفونه على أنّه الإمام القائم المهدي المذكور، بل انّهم يقولون بنبوّته ونبوّة سائر الأئمة كذلك، ويقولون: إنّ رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد انقطعت عنه يوم الغدير وانتقلت إلى أميرالمؤمنين (عليه السلام)ثمّ انتقلت منه إلى باقي الأئمّة، وإنَّ الأئمة مع كونهم يحتفظون بمقام الإمامة فهم يمتلكون مقام الرسالة كذلك. ويُضيف هؤلاء قائلين: إنَّ محمّد بن إسماعيل حيٌّ لم يَمت وهو غائب في بلاد الروم20.
ويقول أبوالحسن الأشعري: يعتقد القرامطة أنَّ «محمّد بن إسماعيل» حيٌّ وهو نفسه المهدي الذي أُخبر عن ظهوره21.
وأمّا الشهرستاني فيقول: لقد مزجَ أولئك (الذين يُعرفون في العراق بالباطنية والقرامطة والمزدكية والمعروفون في خراسان بالتعليمية والملحدة) كلامهم بكلام بعض الفلاسفة، ولهم في ذلك المؤلّفات. ويقول هؤلاء: إنّ الله تعالى ليس موجوداً وليس غير موجود، وكذا فإنّه ليس عالماً وليس جاهلا وليس قادراً ولا عاجزاً. وقس على ذلك سائر صفاته تعالى! ذلك أنّ الإثبات الحقيقي يقتضي أن يكون من جهة إطلاقنا عليه شريكاً مع سائر الموجودات وهو مايُعرف بالتشبيه22. ويقولون كذلك : وكما أنَّ الأفلاك والطبائع هما في حركة دائمة بواسطة تحريك النّفس والعقل، فإنَّ المجتمع البشري أيضاً في حركة مع الشرائع بتحريك النبيّ والوصيّ وهذا حاصلٌ وواقعٌ في كلّ زمان وعلى شكل سبعة فسبعة حتّى ينتهي ويصل إلى دورته الأخيرة ويحين وقت يوم القيامة وتُرفع التكاليف عن البشر23.
ويُضيف أبوالحسن الملطي، بعد أن ينسب إليهم عدداً من العقائد العجيبة كقولهم بعدم وجوب الفرائض كالصلاة والصيام والزكاة والحجّ، يُضيف قائلا: وهم يُكفّرون من يخالفهم وينسبونه إلى الشرك ويحلّلون ماله ودمه، ويمكنهم أخذه أسيراً لديهم24.
والحقّ أن ما ينسب إلى القرامطة من العقائد والآراء أكثر ممّا قلناه بكثير، وإنّما أردنا ذكر بعض تلك العقائد حتّى تكون أرضية مناسبة لبحوثنا فيما بعد.
قيام
دولة القرامطة في
الإحساء والبحرين
يذكر
المؤرخون أن القرامطة تمكّنوا من تشكيل دولة قويّة نسبياً
وذلك سنة (286)
في المناطق الجنوبية من الخليج الفارسي في البحرين والقطيف
والإحساء، وكان
يرأسهم شخص يُدعى «أبوسعيد الجنابي» آنذاك. وقد وردت أخبار مختلفة
عن هذه الشخصية
وهو ما كتبه المؤرّخون هنا وهناك. وأفضل ما لدينا من الأخبار هو ما
رواه ابن حوقل
عن سوابق ابو سعيد هذا، وكيفيّة تعرّفه على فرقة القرامطة، وتشكيل
حكومة لهم في
البحرين وأماكن أخرى، ونورد أدناه نصَّ العبارات التي ذكرها ابن
حوقل:
«كان أبوسعيد بهرام الجنابي من «جنابة» وبائعاً للطحين. اعتنق معتقدات القرامطة وآمن بها وانضمَّ إلى «عبدان كاتب» زوج أُخت حمدان قرمط، ثمّ بدأ بنشر هذه الدعوة في نواحي ومناطق مدينة جنابة أو «گنابة» ومناطق أخرى مثل فارس، فاستطاع الحصول على أموال كثيرة من النّاس. فكتب حمدان قرمط إلى أبوسعيد كتاباً من «كلواذا» يدعوه للمجيء والمثول لديه. ثمّ أرسله هو وعبدان كاتب إلى البحرين وأمره بدعوة النّاس هناك إلى مذهبه، مُعزّزاً بعثته بالأموال والرسائل والتوصيات الخاصّة بذلك.
ولما وصل أبوسعيد إلى البحرين تزوّج هناك امرأة من بني سنبر وبدأ بنشر دعوته بين عرب تلك المنطقة فالتفَّ حوله كثيرون، واستطاع بمساعدتهم فتح مدن كثيرة في تلك الأنحاء فانضمَّ إليه عدد كبير من العشائر والقبائل إمّا من خوف ورهبة أو مودّة ورغبة25.
ويذكر الطبري في تقرير موجز عن ذلك قائلا:
في هذه السنة (286) خرج رجلٌ من القرامطة يُدعى أبوسعيد الجنابي في البحرين فاجتمع حوله جماعة من الأعراب والقرامطة... فاشتدت شوكته وقويت دعوته. فقتل كثيراً من الحضر ثمّ رحل إلى موضع يسمّى القطيف، التي تبعد عدّة منازل عن البصرة وقثل جمعاً كثيراً منهم كذلك. وقيل إنّه كان يرغب في فتح البصرة، فلمّا علم والي البصرة بنيّة القرامطة كتب إلى السلطان يخبره بذلك، فأمره السلطان بجمع الخراج والصدقات ويبني بتلك الأموال سوراً حول البصرة. فكانت مخارج هذا العمل قد وصلت إلى أربعة عشر ألف دينار. وبالفعل فقد استطاع البصريون من بناء سور حول المدينة لحمايتهم من أيّ اعتداء26.
ويورد ابن عماد الحنبلي تفاصيل أكثر حول هذه الحادثة حيث يقول: لقد بني السور المحيط بالبصرة بأمر من المعتضد العبّاسي في حين كان ابوسعيد يشتغل بالكيالة، ويقول عن لقبه: إنّه كان من «جنابة» وهي إحدى قُرى الأهواز. ثمّ ينقل عن الصولي قوله: أنَّ أبوسعيد كان معوزاً فقيراً يبيع الطحين. فجاء إلى البحرين وهناك بدأ ينشر دعوته فانضمَّ إليه جمعٌ ممّن بقي من الزنج واللّصوص، فاشتدت شوكته وتمكّن من دحر جيوش الخليفة مرّات عدّة آنذاك.
وطبقاً لما رواه ثابت بن سنان: فإن قرامطة البحرين شنّوا هجوماً على مدينة دمشق سنة (306) فقتلوا الكثير من أهالي دمشق، بل إنّهم زادوا على ذلك بحملتهم على مصر فاصطدموا مع جيش جوهر الصقلي قائد قوات المعزّلدين الله الفاطمي، في منطقة تدعى بـ «عين الشمس» فهزموا جيش الصقلي، إلاّ أنّ جيوش الفاطميين تمكّنت بعد هذه الحملة من دحر قرامطة البحرين وطردهم من مصر. وفي ذلك ينشد حسين بن بهرام قائلا:
|
يا مصر إن لم أسق أرضك من دم |
يروي ثراك فلاسقاني النيل27 |
وقد وردت الكثير من الروايات المشابهة في عدد من كتب التأريخ ولكن لامجال هنا لذكرها جميعاً، ونكتفي بذكر موجز لما أورده ابن الأثير، من أنَّ أبوسعيد الجنابي الذي كان رأس القرامطة في البحرين، لما قُتل كان يحكم الاحساء28 والقطيف والهجر
والطائف وسائر بلاد البحرين، حيث قتله غلام له29.
وبعد مقتل ابوسعيد، تولّى رئاسة القرامطة من بعده ابنه ابوطاهر سليمان الجنابي أحد أكثر الحكام القرامطة شغباً وصخباً، فسار الابن على ما وجد عليه أباه من السلوك والمغالاة. فامتدّت قدرته إلى معظم المناطق، وهو الذي كان يهاجم قوافل الحجّاج مراراً فيقتلهم ويسلب أموالهم، حتّى انتهى به الأمر إلى هجومه على الكعبة المقدسة واحدث فيها مقتلة مريعة، فسرق الحجر الأسود منها كما سنورد ذلك مفصّلا فيما بعد.
كان أبوطاهر هذا قاسي القلب ومتهوراً. شنَّ بعد اكتمال السور حول البصرة حملة عليها فاستطاع الدخول إلى المدينة بمساعدة قواته، والسلالم التي استخدمها للعبور من على السور المحيط بالمدينة.
وطبقاً لما ذكر ابن كثير: فقد كان تحت امرته (1700) فارس، ولمّا تسنّى لهم الدخول إلى المدينة قاموا بمجزرة حقيقية حيث اوقعوا السيف في رقاب النّاس مدّة سبعة عشر يوماً...30.
واتّخذ ابوطاهر من «الهجر» مقراً وعاصمة لمُلكه، والتي كانت على مايذكره ياقوت مركز البحرين، وتُطلق هذه التسمية احياناً على مجموع البحرين31. وكان أبوطاهر يمتلك فدائيين ورجالا انتحاريين كُثراً مما ساعده على إحراز النصر في كلّ غزوة كان يقوم بها. ويُقال إنَّ «ابن أبي الساج» لما أراد المسير بجيشه المؤلّف من ثلاثين ألفاً من الجنود نحو القرامطة لمحاربتهم، وإتماماً للحجّة، أرسل إلى أبوطاهر الجنابي رسولا. فلمّا وصل الرّسول إلى أبوطاهر سأله قائلا: كم عدد جنود «ابن أبي الساج»؟ فأجابه الرسول: ثلاثون ألف فارس. فسخر منه أبوطاهر قائلا: الحقّ أنّه لا يملك حتّى ثلاثة فرسان. ثمّ التفتَ إلى أحد فرسانه وأمره بقتل نفسه، فاستلَّ هذا خنجراً وشقَّ بطنه في الحال. فقال أبوطاهر للرسول: ما الذي يستطيع «ابن أبي الساج» عمله مع جنود فدائيين كهؤلاء32؟
مهما يكن من أمر فقد كان أبوطاهر مخلوقاً عجيباً، فقد أغار على المدن والمناطق المجاورة وقتل الكثير من سكّانها، ومن هذه المناطق الكوفة والبصرة والرقة والقادسية ورأس العين ونصيبين وكفر توثا والموصل وغيرها من المناطق. بل حتّى وصل به الأمر إلى شنّ حملات ضدّ دمشق وفلسطين إلاّ أنّه لم يوفَّق في ذلك، ووصل إلى حدود بغداد لكنّه طفق راجعاً33.
وإضافة إلى ما قيل فأبوطاهر كان شاعراً مُجيداً كذلك، ويُلاحظ ممّا نُسِبَ إليه من الشعر كيف يصف طموحاته وأنّه الداعي إلى المهدي بعينه، بكل وضوح. ويقصد بالمهدي هنا بطبيعة الحال، المهدي الفاطمي الذي خرج في أفريقيا. ومن أشعاره مما يلي:
|
أغرّكم منى رجوعي إلى هجر |
فعمّا قليل سوف يأتيكم الخبر |
|
إذا طلع المرّيخ من أرض بابل |
وقارنه كيوان فالحذر الحذر |
|
فيا ويلهم من وقعة بعد وقعة |
يساقون سوق الشاة للذبح والبقر |
|
سأصرف خيلي نحو مصر وبرقة |
إلى قيروان الترك والروم والخزر |
إلى أن يقول:
|
أنا الداع للمهدي لا شكّ غيره |
أنا الصارم الضرغام والفارس الذكر |
|
أعمّر حتّى يأتي عيسى بن مريم |
فيحمد آثاري وأرضى بما أمر 34 |
على كلّ فلسنا هنا بصدد ذكر جميع تفاصيل حياة أبوطاهر، ويُعلَم ممّا أوجزناه أنّ أبوطاهر كان قد شكَّل دولة قويّة في البحرين وجنوب خليج فارس وكان من الصعب مواجهته، ممّا يوضّح لنا السبب في عدم توجيه اللّوم إلى المسلمين حتّى بعد سلب وسرقة الحجر الأسود من قبل القرامطة، كما سنذكر ذلك فيما بعد.
هذا وقد تناوب على سدة الحكم في البحرين بعد موت أبوطاهر سنة (332) سلسلة الجنابيين القرامطة، إلاّ أنّهم لم يملكوا نفس القدرة والسلطان السابقين.