أنا.. أنا.. ولست أنا - حداثة منتهى الحداثة

كتبها سيد أمين ، في 29 يونيو 2010 الساعة: 17:33 م

قصة - سيد أمين

1

كنت أتحسس وجهي.

وكانت الطرق متشعبة ومظلمة.

وقفت حائراً عند المنعطف.

فإذا به فتي قوي يركض نحوي وحينما اقترب تفرست ملامحه وندبات وجهه.

كان شيخاً طاعنا في القدم.. خفت منه فلم أنبس ببنت شفة.

قال بصوت عفي ووقار شيخ:

سأوصيك خيراً لوجهتك.. لو أهملتها تهت.

الطرق جميعها ذات اتجاه واحد.. ولكن السائرين لا يصلون جميعا إليها.

كلما تخلصت من حواسك تقترب نحوها.. أما لو تلاشيت فستقف عليها.. حقيقتك في هجائك والحق مفتاح بابك .. لو جعت شبعت ولو صبرت تلاشيت.. ولو تلاشيت وصلت.

استجمعت شجاعتي.. حاولت أن أهدئ من روعي وهممت لكي اسأله فزمجر وتلاشي

2

حينما وصلت الملتقي.. كانت الغربة قد أضنتني.. فاخترت حقيقتي.. تحسست وجهي.. عدت كما أنا.. شيء يدفعني نحوه.. لابد أنه هناك لأنني أنا ذاهب إليه.

كنت أنا مشتاقا لمنزله.. وقدمي مترددة.

فكرت فيما لو لم أقابله أو يقابلني.

عدت إليَ أكثر فأكثر.. وجدتني أشجع من أي وقت مضي.. إلا وقتا لم اتذكره حينما أنا كنت أنا.

طرقت بابه حتي احمرت يدي.

أتراه موجوداً حقاً؟

أم أنه يرفضني كما أنا؟

لابد أنني لست أنا

خطوت إلي الخلف.. كانت الطريق حولي مظلمة.. إلا ظلال نور خافت علي البعد في طريقها سرت.. فأخذت تتوهج حتي غمرتني.. وقتها تأكدت من عودتي أنا.

قلت لي: إنه يعرفني قبلي لأنه لم يجهلني أبداً.. فلو جهلني ما كان

هو.. ولم يرفضني أبداً فهو من دعاني.. ولم أبرح قط منزله.. فليس لي غيره منزل سواء أنا كنت أنا أو لست أنا.. لكنه دائما يريدني أنا أنا.
3

تلفت أمامي.. فجأة .. وجدته ماثلاً .. تأملت هيئته.. واسترجعت زمن العنفوان.. ضحكت من فرط البلاهة.. فكيف لم يكن مرة صديقي رغم أنه كان دائماً برفقتي؟

عزمت أنا علي أن أسأله أسئلة كثيرة .. لكنه قال بثقة أخافتني:

ما سأقوله ما قلته قط لمضيف .. أنا لم أغب لأنني حاضر كما لم يحضر أحد من قبل .. ضيف لحوح أطرق كل الأبواب.

تعرفني قبل معرفتي.. وأعرفك.. غريمي مهزوم وصديقي مكلوم.. معرفتي شر لمن أوصد بابه.. خير لمن صادقني واسكنني معه.

قلت له: من فرط تأخرك ظننت ألا قدوم لك.. ومن رهبتي إياك عمدت أن أنساك.

قال مؤكداً: ما تأخرت فأنا ألازمك لزوم نفسك.. وما أتيت لأنني فيك.

الكثيرون احتفوا بي فراعوني.. والكثيرون جحدوني فراعوني.

منهم من جاء معي وبجسده سار.. فأحببته.

ومنهم من جاء معي وبروحه سار.. فكرهته.

وللتو.. أنت معي ذاهب.

قلت: هل من تأجيل؟

قال: قلت إنني أمهلتك كثيراً.. واللحظة لا تأخير.. فالموعد محدد ودقيق.

فهمت مغزي كلامه.. فزعت.. صرخت فما سمعت صوتي:

إلي أين.. فأنا عن هناك غريب؟

قال: إلي حيث يذهب كل ضيف ومضيف.. إلي حقيقة كل حقيقة وأم كل الحقائق.

استسلمت.. فليس بمقدوري سوي الرعب.. كلي ينتزع من كلي.. أردت الغوث فما مغيث.. تراءي لي الماضي في لمح.. قدرة أفنيت في عجز.. ونماء أفني في جدب.. وفرج أسرف في يسر.. وللعسر.

في الهلاك أسير أسير.. كنت صغيراً صرت كبيراً.. وكنت كبيراً صرت صغيراً.

قالت لضيفي دون كلام: أكرمت ضيوفي إلا أنت.. أضحكوني فبكيت.. وأبكيتني فضحكت.

سألته: هل الطريق مستقيم؟

فقال: ستعرفه بنفسك.. والسيد جواد.

قلت: أرحني فأنا ضال.. كل حبيب خلا.. ومالي من حبيب.. وشردت يوما في الفلا.. واليوم قد ولي المغيب.. ولولا جهل بك لعرفتك.. ولوعرفتك لأحببتك.. ولو أحببتك لأكرمتك.

تحشرجت واشتد بي الضيق فقلت له: أرحني فأنا ضال

فقال: ما ضاقت إلا انفرجت.

تفاءلت وبدا لي ضيقي فرجا.. وأخذت أسبح معه في الأكوان خلف الحدود.

تأملت نفسي فلم أجدها .. فسألته: هل أنا موجود بين الحدود؟

قال: لكل حدود حدود.. وللا حدود حدود.. ولا حدود للا حدود له وكل هباء موجود.. وكل موجود هباء.. أنا درج الارتقاء.

قلت له: أخبرني يا صادق.. هل أنا موجود؟! وهل للحدود وجود؟

قال: اسألني عن الوجود؟! فهو موجود.. ولا حدود بلا وجود.

وعن وجودك؟ فمن اللا وجود خلق الوجود.. ثم الاختبار

المزيد